الأحد، 1 يناير 2017

كذبَ المُنجّمُون! ( أدهم الشرقاوي ) .

كذبَ المُنجّمُون! ( أدهم الشرقاوي ) .

كذبَ المُنجّمُون! ( أدهم الشرقاوي ) .



بسم الله الرحمن الرحيم



ليلة أمس ودّعت البشرية العام 2016 باحتفالات صاخبة، وحقّ لها أن تحتفل فقد أنجزت فيه الكثير!


تحوّلتْ حلب من مدينة إلى ركام، والأطفال الذين لم تنقلهم القذائف إلى الجنة نقلتهم الأمم المتحدة إلى الخيام! وغزة محكمة الإغلاق، والعراق مسلخ كبير! ورائحة البشر المشويين في ميانمار لم تشغل العالم المتحضر عن التكاتف لمواجهة الاحتباس الحراري الذي يؤدي لذوبان ثلوج القطب مما يهدد حياة الفقمات والبطاريق! وبان كي مون أنهى ثماني سنوات حافلة بالقلق والدّجل!

وكما هو الأمر في نهاية كل عام ، تحلّق الناس حول شاشات التلفزة ينتظرون العرافين ليخبروهم ما الذي سيحدث في العام الجديد، والعرّافون يتحدثون عما سيحدث في المستقبل بثقة بالغة كأنهم اطلعوا على اللوح المحفوظ!

وكالعادة كانت النبوءات فضفاضة، انقلاب عسكري هنا، زلزال هناك، مقتل زعيم هنالك، وكأن حدوث هذه الأشياء يحتاج إلى نبوءة، القتل في الأرض منذ قابيل وهابيل، والانقلابات العسكرية أقدم من نيرون، والزلازل تقع قبل اختراع التلفاز ! لم يبقَ إلا أن يتنبأ أحدهم أن موج البحر سيبقى يهدر، وأن أسدًا سيفترس غزالاً في تنزانيا، وسمكة سالمون ستموت قبل أن تضع بيوضها، وأن المطر سيهطل في فصل الشتاء، والحرارة ستكون مرتفعة في الرّبع الخالي!

هل سبق ولاحظتم أنه لا أحد يتنبأ بحصول شيء جيد! لم أسمع أن عرافًا تنبأ بعلاج للسرطان أو الإيدز، رغم أن كل الأمراض المستعصية سبق أن وجدت لها البشرية أدوية، لم أسمع أن عرافًا تنبأ أن حربًا ما ستضع أوزارها رغم أن الحروب مهما طالت ستتوقف، إنهم يعرفون أننا نعرف أن هذا الكوكب مجنون وأن الأشياء السيئة تحصل دائمًا ونحن لا نتوقف عن انتظارها، إنهم يخبروننا بما ننتظر لهذا يجدون من يصدق حقًا أنهم يعرفون!

وبعيدًا عن رأي الإسلام الحاسم في أمر الكهانة والتنجيم وقراءة الكف والطالع وفناجين القهوة، أرى شخصيًا أن أجمل ما في المستقبل أنه قد حُجب، لو علم أحدنا أن بيته سيُهدم ما بناه، ولو علم أن ابنه سيموت في حياته ما أنجبه، ولو أن بنته ستطلق ما زوجها، أراد الله لنا أن نكون أحرارًا، نزرع كأن الزرع لن يتلف، ونبني كأن البناء لن يُهدم، وننجب كأن أولادنا لن يموتوا! معرفة المستقبل من زاوية ما تدب الفتور في النفس، والمنجمون إنما يفسدون هذا الأمر، ولطالما وضعوا العِصيّ في الدواليب، فعندما استصرخت المرأة المسلمة المعتصم لأن النساء كُنّ يعرفن يومذاك نخوة الحكام، سأل المعتصم أي حصون الروم أمنع وأحصن، فقد كانوا إذا استُصرخوا لا يذهبون إلى مجلس الأمن، ولا يبحثون عن أسهل معركة! فقيل له عمورية، لم يسبق أن حاول أحد فتحها لمنعتها، فقال: إذن إلى عمورية!

وأجمع المنجِّمون أمرهم وأخبروه أن النصر لن يكون حليفه إن قاتل، ولكن المعتصم كان من الرجال الذين يعرفون أن المستقبل يُصنع ولا يُنتظر، فغزا وفتح الله له عمورية، فأنشد أبو تمام بيته الشهير ساخرًا بالمنجمين:
السيف أصدق إنباءً من الكتب ... في حدِّه الحد بين الجَدّ واللعبِ


نحن أمة تصنع ما تحب ولا تجلس على شاشات التلفزة تنتظر أن يتحقق ما تكره، فهذا قبل أن يكون وهنًا وعجزًا، مثلبة في العقيدة الصحيحة وناقض من نواقضها، وصدق علّام الغيوب حين قال في كتابه العزيز "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله"!





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ل المعرّي ... لا شيء مجهول 2016
إياد العُضَيْديّ